الاثنين، 18 يوليو، 2011

دول اللى نزلت عشانهم فى 8 يوليو


بين الوعود الحقيقية لأصدقائى بالنزول ونظيرتها الزائفة لأمى وزملاء العمل بعدم النزول، قررت الذهاب وحدى لأول مرة إلى ميدان التحرير..

الطريق من المهندسين إلى التحرير، يبشر بأن "ايه فى أمل" على رأى فيروز.

سواق الأتوبيس

فسائق أتوبيس النقل العام البسيط الذى عرف أننى سأذهب إلى التحرير أخذ يشجعنى على الاستمرار فى تأييد ومساندة الثورة حتى لا تضيع.

ذلك الرجل الذى أطلق على صديقه "الكمسرى" انه من أصحاب حزب الكنبة، فى إشارة إلى تخاذل صديقه عن تأييد الثورة لأنه يرى أن "لا أمل" فى هذه البلد، أخذ يهمهم بكلام لا أعرف ترجمته لأن المجهود الشاق الذى يبذله لا يتناسب مع سنه الكبيرة، فأصبح كهلا.. مثله فى البلاد الأخرى التى تحترم حقوق مواطنيها، يتقاعد هذا الكهل عن العمل مبكرا، ولكن ولأن نظام المعاشات المبكر الذى ابتدعه ونفذه مسئولو النظام السابق الهاربين خارج البلاد لم يرحمه وجلعه يتمسك بهذا الهم من أجل تلبية مطالب أسرته ومواصلة أبنائه للتعليم ولكن فى النهاية يجد المقولة الشعبية "رضينا بالهم والهم مش راضى بينا" صحيحة.

ينتهى المشهد الأول وكأنه يقول لى "عشان خاطر الراجل دا لازم ننزل نطالب بحقه" وننادى بـ"عيش.. حرية.. هيكلة الداخلية"، فهذا الرجل الذى لا يشغله الدستور أم الانتخابات أولا، على حد قوله وإنما يشغله الثورة أولا ربما لا تنعكس عليه هذه المجادلات السياسية بقدر ما ستنعكس "لقمة العيش" عليه!!

ناصر

التحرير فى ذاك اليوم ذكرنى بمعرض الكتاب، ولكن بدلا من المكتبات المختلفة كانت الفصائل والحركات والأحزاب، أول ما وقعت عينى عليه كان الحزب الشعبى الناصرى الذى انهمك أعضائه فى تنظيم أوراق دعاية الحزب ويحوطونهم صور الزعيم الراحل من كل مكان، وأغانى حليم تشدو حولهم..

حلمت هذا الحلم من قبل وظهرت فيه أصرخ فى وجه هؤلاء الأعضاء لأقول لهم "الثورة دى ما تعملتش عشان ناصر اتعملت عشان الفقرا"..

لن أتحدث كثيرا عن مدى اهتمام ناصر بالفقراء، ولكن دار فى مخيلتى ان ناصر كان يمثل رمز كرامة المصريين فى الوطن العربى وكرامة الوطن العربى فى العالم.. فهذا الرجل يشهد عليه الجميع بانه كان نظيف اليد، صاحب مشروع حضارى وفكرى وتنموى، ربما هو الشخص الوحيد الذى التف حوله معظم المصريين.. وهو ذاك الرجل الذى نحن بحاجة إليه الآن..

رجل لا يهرب أو يسافر فى حين يحتاج شعبه إلى من يشد أزره

رجل لا يهاب قول الحق.. رجل لا يخضع لسلطة الآخرين.. رجل يحارب من أجل رؤية واضحة أمامه.. رجل لديه الخطط المستقبلية لمصر.. رجل يستطيع أن يجعل المصريين يلتفون حول مشروع قومى.. وهو الرجل الذى تفتقده مصر الآن.. وربما يذكرنا ميدان التحرير باننا نحتاج إليهم فى هذه الفترة.

والدة خالد سعيد

التقيت بها صدفة، فرحت عندما شاهدتها اتجهت إليها مسرعة أسلم عليها، تلك الحفاوة التى تستقبل بها جميع الناس، سجيتها الطبيعية، وصبرها الطيب على تعذيب ابن شاب لها، .. كل هذا وغيره عوامل تشعرك براحة نفسية عند رؤية هذه السيدة, وكان ذلك مشهد ثالث.. يجعلنى أصر على المضى قدما فى تأييد هذه الثورة والاستمرار بها للمطالبة بحق الشهداء.. وإذا كانت والدة خالد سعيد أسعفها القدر بأن التقرير الجديد للجنة التى طالبت المحكمة بتشكيلها قد قالت إن لفافة البانجو وضعت عنوة فى فم خالد، فهناك الكثير أيضا من عائلات وأسر شهداء "ولاد البلد" الذين كتب عنهم احد الزملاء تدوينته الشهيرة "الفقراء أولا يا ولاد الكلب" ..

وهؤلاء الأسر رأيتهم أيضا فى التحرير وحاورت أحدهم صدفة فى نهاية هذا اليوم فى المترو.. رأيتهم وهم على هيئتهم البسيطة للغاية وفى عينيهم تغرورق الدموع .. رأيتهم تائهون .. لا يعرفون كيف يجلبون حق شهدائهم وفى نفس الوقت ربما يقبلون بدية دمائهم!!..

حينها أيقنت اننى "نزلت التحرير" عشان خاطر اقول لهم "محاكمة المتهمين بقتل أولادكم قبل الدية".

السلفيين

وأثناء قيامى أنا وصديقى فادى بتوصيل "مصطفى" إلى المسجد للصلاة.. رأينا التفافا كبيرا على أحد المشايخ السلفيين.. ظننت أنه رئيس حزب النور السلفى.. وإذا بشخص على هيئة سلفى يرتدى جلبابا أبيض ذو لحية مثلها.

سألته وبجانبى فادى وبعض شباب الثورة الآخرين: "مين دا؟"

قال: "دا الشيخ محمد عبد المقصود أستاذ علم الحديث"..

سألته: ودا من انهى حزب؟!

قال: لا احنا ما عندناش احزاب

قلتله: انتم مين؟؟.. من انتم J

قاللى: احنا السفليين

وبعدها بدأ جدال قديم عقيم بين شباب الثورة وهذا الشخص حول ماهية السلفيين واننا جميعا سلفيون وهم لا يدعون لهدم الأضرحة والكنائس ولا إلى تنصيب شخص بعينه على الرئاسة..

استيقظت من هذا الحوار على جملة "يعنى مثلا هناك من يقول عنا اننا لا نتحدث مع المتبرجات ومع ذلك تجدنى أتحدث مع هذه الأخت، فى إشارة إلىَ، وأجيبها على أسئلتها"!!

انتابتنى حالة من البلاهة وظللت أنظر إلى هيئتى .. بنطلون وتى شيرت طويلة نسبيا وجاكت والطرحة .. ومتبرجة!!

يتحتم علي مشايخ السلفيين الذين وصلوا إلى التحرير بسيارات ضخمة، الدعوة أولا إلى حقوق الفقراء وضحايا غياب العدالة الاجتماعية، قبل أن يتحدثوا عن الدين والتبرج!!

رأيت أنه ينبغى علىَ النزول لاكتشاف مدى "رجعية" وغياب وعى بعض السلفيين.

الميدان لم يخل من اكتشاف الفلول و "ضربهم علقة" .. لم يخل من كلام "عمرو حمزاوى" المعسول جملة وتفصيلا J..

لم ينته من شخصيات كنت لا أود مقابلتهم.. ولم ينته من شخصيات كنت أود مقابلتهم وذكرونى بأكثر لحظات حياتى فخرا .. J!! وتحيا مصر.

الخميس، 7 يوليو، 2011

ضد طائفية وتعصب "الداخلية"



من وحى الأحداث يخيل لى أننا نواجه طائفية وعنصرية تشبه تلك التى واجهها المواطنون الأصليون السود فى جنوب افريقيا ضد القلة البيض.. فعلى الرغم من أن المواطنين السود هم الأغلبية الا أن حقوقهم ومعاملاتهم الآدمية كانت مهدرة على يد قلة فاسدة بيضاء.

والإشكالية هنا ليست الأغلبية والأقلية بقدر ما هى إشكالية تمَلك فئة معينة بغض النظر عن قوتها العددية لسلطة ما، بطريقة استغلالية تستخدمها ضد كل من يقف فى مصلحتها وبشكل تعسفى من أجل خدمة أغراض أفرادها الفئوية.

وإذا عكسنا الوضع على مصر، فإننا نعانى اليوم من تعالى فى المعاملة من قبل جهاز الشرطة ووزارة الداخلية فى مصر بشكل يتجه إلى إحداث حرب أهلية بالفعل بين المواطنين الذى ثاروا فى 25 يناير، وهو يوم عيد الشرطة المصرى، من اجل إقالة وزير داخليتها السابق حبيب العادلى..

وإذ نفاجئ بالاستمرار فى التمسك بهذا الوزير الذى اكتشفنا كم وكيف الانتهاكات التى لم يستطع عقل بشر ان يتخيلها، والقتل والجرح العشوائى الذى حدث لشبان وفتيات وفتيان الثورة من قبل ضباط شرطة وأمناء ومخبرين الداخلية والقناصة..

الأدهى من ذلك إقرار محكمة فى السويس حلاء سبيل ضباط الشرطة المتهمين بقتل الثوار فى تلك المدينة التى اشعلت لهيب ثورة 25 يناير وما زاد الطين بلة رفض محكمة النقض الطعن المقدم من النائب العام على هذا القرار دون أن يخرج علينا أحد أو على الأقل لأهالى الشهداء يوضح لهم حيثيات هذا الحكم..

وفى حين يصر الثوار الذى خرجوا من قبل لإعادة هيكلة الداخلية، على أن التعامل القديم لضباط الشرطة لم يتغير به شئ فى ظل عودة قضايا التعذيب فى السجون، يصر أيضا وزير الداخلية منصور عيسوى على أن الشرطة بريئة من دماء الشهداء والجرحى.

ولذا كان من الطبيعى والبديهى أن يخرج اهالى السويس يهتفون "دم بدم .. رصاص برصاص .. احنا كرهنا الظلم خلاص .. يا قضائنا نام وارتاح .. احنا خلاص شلنا سلاح"..

الفساد الذى استشرى مصر على مدار 30 سنة ماضية جعل الطائفية والعنصرية تتخذ فيها شكلا مختلفا حتى عن عنصرية جنوب افريقيا فهى ليست عنصرية تضاد بين السود والبيض أو عنصرية ملل بين السنة والشيعة فى العرق اوعنصرية سياسية بين فريقى الموالاة والمعارضة لقرار المحكمة الجنائية فى قتل الحريرى فى لبنان، بينما هى عنصرية فى السلطة بين من يمتلك ومن لا يمتلك..

إنها طائفية القوة أو طائفية التملك بمعنى عندما يصبح الموقع الوظيفى فى الدولة مرتبط بمدى قوة وسلطة صاحبه والواضح انه ليس هناك اقوى من الشرطة وهى بالمعنى العامى الدارج "الحكومة"..

أنا أرى أن الطائفية فى مصر لن تأخذ طابعها السياسى او الدينى المعروف، وأنه لا حل لذلك إلا بتفعيل معنى المواطنة وفهمه من كلا الجانبين من جانب المواطن الذى يعى تماما حقوقه وواجباته التى كفلها له القانون والدستور.. يعترف بخطئه لأنه على يقين بأن ما فعله ليس من حقه.. ويعترف بصحة موقفه لأنه يعلم انه فى دولة قانون ..

وكذا الشرطى يجب أن يعى أنه فى مرتبة وظيفية مساوية لجميع المواطنين، وكون أن القانون كفل له الحق فى مساءلة المواطنين فى القضايا الهامة.. إلا أنه لم يعطيه الحق فى تعذيب المواطينن للاعتراف ولابد أن يعلم أنه يعلوه نظام قضائى يحكم بينه وبين المواطن..

هذه تخيلات لتفعيل الدستور الجديد وما سيترتب عليه من تعديلات فى بعض القوانين بالفعل، ولكن لابد أن تكون المرحلة المقبلة كما هى حريصة ومؤمنة بالمساواة بين الأقباط والمسلمين درءا منها لنيران الفتنة الطائفية فلابد ان تكون مؤمنة أيضا بالمساواة بين جميع المواطنين امام النيابة والقضاء ومعرفة أننى كفرد مدنى من أفراد الشعب المصرى وضابط الشرطة متساوين من ناحية المواطنة..